هل يستطيع الرنمينبي الصيني تحدي هيمنة الدولار الأمريكي؟

نشر موقع “بروجيكت سنديكيت” مقالا للكاتب كريستوفر سمارت، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمساعد الأسبق للرئيس باراك أوباما لشؤون الاقتصاد الدولي، يشير فيه إلى أن قادة الصين في طريق تحدي هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي.

وأوضح الكاتب أنه إذا أراد قادة الصين المضي قدما في تحدي سيطرة الولايات على العملة العالمية، فإنهم سيحتاجون إلى التفكير والتصرف بشكل أكثر جذرية، مضيفا أنه على مدى السنوات العشر الماضية، كانت القصة الاقتصادية المهيمنة تتمحور حول الصادرات الصينية التي تعيد تشكيل التجارة العالمية، لكن قصة السنوات العشر المقبلة، يمكن أن تكون حول دور الصين الناشئ في قلب التمويل العالمي.

ومن الواضح أن استخدام الرنمينبي “اليوان”، يصعد في السنوات الأخيرة بسبب النمو الهائل للاقتصاد الصيني وجهود المسؤولين الماليين الصينيين لتوسيع البصمة العالمية لعملتهم الوطنية، وأقرت الصين بالفعل ربع صادراتها بالرنمينبي، وخصصت خطوط مبادلات تجارية في الخارج به، بما فيها نيويورك.

وقال سنديكيت إنه من المؤكد، لا يزال المستثمرون العالميون يصبون أموالهم في سندات بالدولار وليس اليوان، كلما شعروا بالقلق من المناخ الاقتصادي العالمي، لكن على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي اختلال السياسات الأمريكية وعدم القدرة على التنبؤ، إلى تقويض الدولار باعتباره عملة الملاذ الأخير العالمية، فقد يستطيع شعار “أمريكا أولا” أن يحصد أصوات الناخبين، لكنه ليس شعارا جيدا للمستثمرين العالميين.

ومع ذلك، فإن صعود العملة الشعبية الصينية، سوف يعتمد على أكثر من مجرد نمو مستدام للناتج المحلي الإجمالي، وسيتعين على الصين اتباع إصلاحات اقتصادية جذرية إذا أرادت للرنمينبي أن يصبح ملاذا آمنا في أوقات الأزمات، وليس مجرد أداة للتجارة وتنويع المحفظة النقدية.

وتملك الصين حصة كبيرة جدا في الهيكل المالي العالمي الحالي لا تريد خسارته، كذلك يشعر القادة الصينيون بالانزعاج بوضوح من الهيمنة الساحقة للدولار وقوته كوسيلة للعقوبات المالية، ما يعني أنهم سيبحثون عن طرق لخلق بدائل مصرفية ودفعية، يمكن أن تخفف من سيادة أمريكا المالية بعد الحرب، وحتى ذلك الحين، قد يكون المستثمرون العالميون حذرين من عملة تدعمها حكومة ليس لديها الكثير من التدقيق على سياسات قادتها، وعلى نفس المنوال، سيعتمد الكثير على السياسة الخارجية للصين في السنوات المقبلة.

نظرة إلى الخلف

يشير المقال إلى كتاب “كيف تعمل العملات العالمية” للمؤلفين باري إيشنغرين من جامعة كاليفورنيا، والاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي أرنو ميهل وليفيا تشيو، حيث يقدم مؤلفو الكتاب اقتراحات واعية حول ما قد يحدث في العقود المقبلة لإثبات أنه عندما يتعلق الأمر بالعملات العالمية، لا شيء حتمي.

ويتحدى المؤلفون ما يسمونه “الرأي التقليدي” في الفترات التي سبقت الحرب العالمية الأولى وبعدها مباشرة بشأن العملات الدولية والمتمثل في أن تأثيرات الشبكة تميل إلى حماية عملة واحدة في مركزها المهيمن، قد يختار التجار والمستثمرون عملة ما لأن الجميع يستخدمونها، لكن هذا لا يعني أن وضع العملة آمن إلى الأبد.

في عام 1870، استطاع الاقتصاد الأمريكي تجاوز بريطانيا، لكن الشبكة الإسترلينية، التي عززتها الإمبراطورية البريطانية، ظلت مهيمنة، لكن ظهر الدولار بسبب إنشاء نظام الاحتياطي الاتحادي الأمريكي في عام 1913 والقضاء على القيود المفروضة على فروع البنوك الأجنبية في الولايات المتحدة.

وباستبعاد التدفقات المالية المحمية بشكل مصطنع للكومنولث البريطاني، يوضح مؤلفو الكتاب أن السندات المخصصة بالدولار تجاوزت الجنيه الإسترليني في وقت مبكر من عام 1929، ما يشير إلى أن أكثر من عملة واحدة مهيمنة يمكن أن تتواجد بالتوازي بشكل مريح، كما فعل الدولار والجنيه الإسترليني حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكما يبدو عليه الدولار واليورو اليوم.

نظرة إلى الأمام

إحدى العملات التي قد تكون فقدت محاولتها في الهيمنة، الين الياباني بسبب تاريخها الخاص، ففي وقت مبكر من فترة ما بعد الحرب، قامت السلطات اليابانية عمدا بالحد من تداول الين في الخارج؛ أولا من أجل زيادة رأس المال المحلي للاستثمار، وبعدها لإدارة سعر الصرف.

وحينما حاولت اليابان أخيرا تدويل الين، كانت جهودها قاصرة بسبب الانكماش الاقتصادي الذي شهدته أوائل التسعينات، والذي تحول إلى “العقد الضائع” ثم أصبح “ربع القرن الضائع”، وبحلول الوقت الذي خرجت فيه اليابان من وعكتها الممتدة وأصبح لديها رقابة مالية أقوى وأسواق أكثر انفتاحا، كان الرنمينبي الصيني سرق أضواء الين الياباني.

من جانبه، أطلق الاتحاد الأوروبي اليورو في عام 1999 كجزء من مشروع لربط الدول الأعضاء معا وخلق سوق متكاملة؛ ساهم حجم اقتصاد أوروبا وقوتها كمركز تجاري عالمي في جعل اليورو ثاني أمام الدولار، حتى بعد أزمة الديون السيادية التي بدأت في عام 2009.

ويؤكد كتاب “كيف تعمل العملات العالمية”، أن سيطرة الدولار المستمرة ليست حتمية ولا مرغوبة بالضرورة، لكن الأمر لا يعني أن الرنمينبي سيكون صعوده سهلا، ورغم أن استخدامه توسع بشكل كبير في التجارة وإصدار السندات والاحتياطيات السيادية بعد عقدين فقط من المشاركة الاقتصادية الدولية الصينية، لا تزال الأسواق المالية الصينية غير الموثوق بها عقبة رئيسية.

ومن المفيد أن يتذكر قادة الصين أن الدولار لم يصعد دوليا إلا بعدما حصل على دعم من نظام مالي داخلي يعمل بكفاءة عالية، وليس فقط تجنب الأزمات الاقتصادية الداخلية، لذلك سيحتاج صانعو السياسات الصينيون إلى اتباع إصلاحات مضنية كحد أدنى إدخال تحسينات على الإدارة والشفافية التنظيمية وتحسين إنفاذ سيادة القانون؛ لتعزيز أسواق الدين المحلية، وإلا فإن اقتصاد الصين لن يكون قادرا على استيعاب التدفقات المالية العالمية الضخمة، كما يجب أن تكون عليه عملة الملاذ الآمن الحقيقية.

لعبة طويلة

بطبيعة الحال، لا شيء تتم تسويته بشكل سريع، لكن الصين على الأرجح ستتفوق في اللعبة الطويلة، وفقا لإسوار براساد، من جامعة أوكسفورد في كتابه “العملة الرابحة: صعود الرنمينبي”، ويشير الكتاب، الذي يعد تاريخا للسياسات النقدية ممتازا للصين، إلى أن الصينيين طوروا العملة الورقية الأولى في وقت مبكر من القرن السابع، بفضل اختراعاتهم السابقة لكل من الورق ونوع ما من المطابع المحمولة.

اليوم، أثقل الحزب الشيوعي الصيني عملة الرنمينبي الوطنية بأهمية رمزية، ودفع بشكل منهجي لقبولها خارج حدود الصين، كما سنت الحكومة الصينية إصلاحات مختلفة سواء من الناحية القانونية أو بحكم الأمر الواقع لفتح تدفقات رأس المال تدريجيا، في حين لا تزال تعطي السلطات مجالا لتدعيم المؤسسات المحلية ومواصلة إصلاحات الأسواق المالية.

ويذكرنا براساد في كتابه بأن الصين قاومت الرغبة في إضعاف الرنمينبي في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، عندما اضطر جميع منافسيها الإقليميين إلى تخفيض قيمة عملاتهم، وأصبح الرنمينبي منذ ذلك الحين معلما مهما، وفي عام 2016، وافق صندوق النقد الدولي على إدراجه ضمن العملات الرئيسية التي تحدد قيمة أصوله الاحتياطية الدولية.

وفي العام نفسه، أنشأت الصين المصرف الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، الذي يسمح لها بالإقراض خارج نطاق نظام بريتون وودز النقدي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وبالاقتران مع مبادرة “الحزام والطريق” الضخمة لبناء البنية التحتية في مختلف أنحاء العالم، تستطيع الصين ممارسة النفوذ السياسي عبر أوراسيا.

ولا يستبعد براساد إمكانية حصول الرنمينبي على وضع الاحتياطي العالمي، قائلا إنه رغم أن الأسواق المالية المحلية غير المطورة في الصين قد تعرقل صعودها، إلا أن الإدارة النقدية الصينية الدقيقة لحساب رأس المال وسعر الصرف يمكن أن تكفي لتدويل العملة حتى لو كانت الإصلاحات الهيكلية المؤسسية أكثر صعوبة.

صعود جامح

في حين أن براساد يفحص دور الرنمينبي في أجندة الصين السياسية العالمية، جاء كتاب “البريكس والحسابات المالية الجماعية” لمؤلفيه سينثيا روبرتس من كلية هانتر الأمريكية، ليزلي أرميجو من جامعة سايمون فريزر الكندية وساوري كاتادا من جامعة جنوب كاليفورنيا، لينظر إلي الصين من وجهة نظر علاقاتها مع بلدان البريكس الأخرى “البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا”.

يفتح الكتاب نافذة على ديناميكيات الدبلوماسية المالية بين دول البريكس، وبالنظر إلى أن الاقتصاد الصيني ضعف حجم البلدان الأربعة الأخرى في منطقة البريكس مجتمعة، لا ينبغي أن يفاجأ القارئ عندما يعلم أن صناع السياسات في جميع هذه الدول يعتمدون في قراراتهم إلى حد كبير على ما يحدث في بكين.

ورغم خلافاتهم، عقدت بلدان البريكس اجتماعات رسمية منذ عام 2006 ووجدوا أرضية مشتركة تتمثل في استيائهم من السيطرة الغربية، أي الأمريكية، على القواعد والمؤسسات المالية العالمية، وإذا كان هناك خيط واحد يربطهما معا، هو إنهم جميعا “صقور سيادة” أي يريدون إبقاء التقدم في النمو خارج نطاق شؤونهم الداخلية.

يمكن لدول البريكس، وفقا للمؤلفين الثلاثة، ادعاء بعض النجاحات المتواضعة في النظام المالي العالمي، حيث قادوا إصلاحات محدودة داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، واجتمعوا لمقاومة التوسع في استخدام العقوبات المالية، لاسيما من قبل الولايات المتحدة، وأنشأوا مؤسسات بديلة ناشئة مثل مصرف التنمية الجديد وصندوق احتياطي البريكس، الذي يهدف إلى توفير السيولة الطارئة للدول الأعضاء.

في بعض الأحيان، تُظهر بلدان البريكس طموحات متعددة لإخفاء أهداف صينية، وليس أقلها تدويل الرنمينبي والإصلاحات في مؤسسات نظام بريتون وودز للصرف الأجنبي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، لكن في مناسبات أخرى، استخدمت دول البريكس، لاسيما روسيا والهند، الكيان لتعديل بعض الطموحات الجيوسياسية الصينية.

طموح مشروط

ويختتم الكاتب كريستوفر سمارت مقاله في موقع “بروجيكت سنديكيت”، قائلا إن التاريخ يبين أنه لا يمكن لأي بلد أو اقتصاد واحد أن يظل مهيمنا إلى الأبد، وأن هذا التغيير يحدث أحيانا بسرعة، مثلما حل الدولار محل الإسترليني في أوائل القرن العشرين، لكن يظهر التاريخ أيضا أن العالم يمكن أن يعيش بشكل مريح مع أكثر من عملة واحدة مهيمنة، ما يعني أن اليورو، الرنمينبي، أو حتى الين يمكن أن تتشارك القمة مع الدولار في العقود المقبلة.

وعما إذا كان الرنمينبي سينضم إلى نادي العملة العالمية، سيعتمد على السياسات المحلية للصين أكثر من المؤسسات الدولية، ولكي يصبح عملة عالمية حقيقية، فإنه يحتاج إلى دعم الأسواق المالية العميقة والكفؤ حتى لو استمر الاقتصاد الصيني في النمو دون انقطاع.

وإذا كانت الأصول الصينية ستصبح ملاذا آمنا موثوقا به أوقات الأزمة، فإن البلاد ربما تحتاج إلى إجراء عدة إصلاحات سياسية، بعد حدوث ذلك، يمكنك النظر في وضع مدخرات التقاعد الخاصة بك في بنك صيني.

المصدر