عن اللامنتمي بيننا (1)

ملحوظة مهمة قبل قراءة النص: هذا النص هو جزءٌ من بحثٍ طويلٌ بعض الشيء أعدّه حول شخصية “اللا بطل” anti hero الذي يكثر وجوده “حولنا” هذه الأيام: في الأدب، في الثقافة، في الحياة، وكذلك على مواقع التواصل الإجتماعي. بمعنى أنك تجد أشد عدو للثقافة والمثقفين هو من “المثقفين” أنفسهم، ويصر هؤلاء “الأعداء” على الإشارة إلى أنفسهم بأنّهم “غير مثقفين” وبعيدون كل البعد عن “الثقافة” كممارسةٍ وكأخلاق وأنهم “جاهلون” و “يعملون بأعمالٍ يدوية” وسواها كفلاح، وعامل بناء، ومعلم شاورما وسواها، أو يرمون الأمر على صفاتٍ أكثر بديهية مثل “الراديكالية” وهكذا.

بدأت الفكرة تتخمّر في عقلي حينما أخبرني أحدهم وهو “يعمل” كصحافي (أي يعتاش من كونه صحافياً ويتقاضى مالاً جراء الكتابة) بأنه “ليس صحافياً” و”لا إعلامياً” بل بالعكس هو “يكره هذه المهنة ويحتقرها”. طبعاً هو لايزال يعمل “صحافياً” ويتلقى المديح على عمله ولازال يفرح بهذا المديح ويشاركه على صفحاته على مواقع التواصل الإجتماعي. فكرة “اللابطل” و “اللامنتمي” يجب طرقها كي نفهم بأن هؤلاء “يمثّلون” أكثر من غيرهم وميزتهم الوحيدة والأساسية أنّهم يمثلون بحرفةٍ أكبر بأنهم “ليسوا هم”.

هناك في الكوميكس والأفلام شخصية محورية بدأت مع نهاية العصر الذهبي للكوميكس (1938) وهي شخصية اللابطل Anti Hero. فتن الناسُ بهذا النوع من الشخصيات، إنها شخصية العادي الذي يتحوّل بطلاً؛ العادي ذو الصفات العادية، اليومي، المعتاد، الذي يصبح في لحظةٍ ما “خارقاً” للطبيعية (أو يقوم بأمرٍ خارق حتى). إنها فكرةٌ تداعب “الجميع” أن يمتلك القدرة على القيام “بالخارق” في لحظةٍ حاجته لذلك. إنها “انتظار” الخارق الذي سيدخل إلى حياتنا ويغيّرها دون أن يحتاج هذا “الخارق” أي جهد. كمثالٍ أن أستطيع الحديث في الفلسفة ومناقشتها مع كبار الفلاسفة رغم أنني لا أقول بأنني “فيلسوف”  وحتى لم أدرس الفلسفة يوماً؛ قد يبدو هذا الأمر جميلاً حلواً، لكنه يخفي جانباً مظلماً للغاية: إذ إنه يحتاج من المرء عقلاً مدركاً كي يفهم الفلسفة أولاً، وهذا لا يؤمن فقط بالموهبة، بل أيضاً بالمراس، التجربة، والأهم الجهد المبذول في القراءة المستمرة والموجّهة. كل هذا يستطيع “اللامنتمي”/”اللابطل” “تمثيله” لا بل إنه يسعى في أحيانٍ كثيرة إلى “إخفاءه” أي بمعنى أنه “يرتدي” رداءاً لا يشابه الفكرة، فمثلاً في فيلم “GodFather”(رواية ماريو بوزو واخراج فرانسيس فورد كوبولا 1972) يصبح الطفل المدلل، الأقل شبهاً بعائلته مايكل (روبرت دي نيرو) قائداً لعائلته الإجرامية ممتلكاً لصفاتٍ “القيادة كما الإجرام والوحشية”. إنها إذاً السحر الذي يعقب “المفاجأة” و”الخارق المثير للدهشة” التي يظهره البطل الذي لم يكن متوقعاً كونه هكذا.

 

إنها فتنة المجهول بمعنى أدق وأوضح والتي تحظى بأكبر نسبة من التأييد والتعلّق. هذا الأمر يطبّق واقعاً حينما نفاجئ بطفلٍ صغير يغني كما “الكبار” في برامج الهواة المرتكزة على مواهب الصغار والتي تكثر تلفزيونياً، فنتابع ونفاجئ، مع علمنا التام ووعينا بأن الأمر كله “مدبّر” وبأن معظم هؤلاء الأطفال “مدربون” منذ سنواتٍ طويلة.

تاريخياً؛ يناقش كثيرون في حيثية أنها تأخذ جذورها من شخصية “اللامنتمي” التي تحدّث عنها الفيلسوف الأميركي كولن ولسن في مؤلفه الأشهر الذي يحمل ذات التسمية(1956)؛ لكن يعتقد أن للأمر جذورٌ أبعد بكثير. لقد بدأ الحديث عن “اللامنتمي” أو “اللابطل” قبل ذلك بكثير، فظهرت شخصية “ثيرثايتس” المشابهة في إلياذة هوميروس إلا أنَّ دورها كان صغيراً وليس رئيسياً. نفس الأمر ينسحب على شخصية “دون كيشوت”(أو كيخوته كما تلفظ) (1605) للإسباني ميغيل ثيربانتس التي قدّمت بطل روايةٍ رئيسياً، لكنه لم يكن بطلاً بالمعنى الحقيقي لفكرة “اللابطل”، بل بقي خارجاً “لامنتمياً”، لا أكثر ولا أقل (كذلك كانت رواية البريطاني هنري فيلدينغ “تاريخ توم جونز” 1749).

طبعاً هنا لابد من الإشارة إلى أنَّ التعبير “اللابطل”(Anti Hero) ظهر قبل ذلك بكثير فظهر في العام 1714 مع الفيلسوف الفرنسي دينيس ديدرو في “ابن عم رامو: السخرية الثانية”؛ أو حتى لاحقاً في رواية “دكتور جيكل مستر هايد”(1886) للبريطاني روبرت لويس ستيفنسون في الصراع المتمظهر بين شخصيتين في عمق “البطل” (وهو ما يعرف علمياً في عالم الرواية بالثنائية القوطية gothic double). أما في العام 1864 فقدم فيدور ديستوفسكي الروسي شخصية “لم يعطها إسماً” لتكون لربما أول شخصية “لامنتمية” و”لابطلة” في الوقت عينه في “ملاحظات من تحت الأرض”(notes from the underground) الرواية التي يعتبرها نقادٌ وباحثون كثر أول روايةٍ وجودية. ولأن اعتبر مذهب “الوجودية” باباً رئيسياً لتمرير هكذا شخصية فإن روايات “التحول”(The Metamorphosis)(1915) للألماني فرانز كافكا والغثيان (La Nausée) للفرنسي جان بول سارتر، والغريب(L’Étranger) 1942 للفرنسي أيضاً ألبير كامو ساهمت في تمظهر هذه الشخصية وتحوّلها “لعادة روائية”.

 

كل ذلك مهَّد كثيراً للنص المباشر، ففي العام 1957 (أي بعد “اللامنتمي” بعامٍ واحدٍ فحسب) ظهرت رواية “غرفة في الأعلى”(Room at the top) للبريطاني جون براين التي تناولت لأوّل مرة بطلاً “لامنتمياً” يحمل صفات “البطولة” بكل ما تعنيه الكلمة، فهو بطل خارج عن المألوف، ولكنه بنفس الوقت يصل إلى أهدافه مهما كانت الوسيلة.

..

لاحقاً بدأت الشخصية تأخذ نوعها ولونها وشكلها وحتى محبتها لدى الناس، فكانت شخصيات مثل “المعاقب” The Punisher(1974) الذي يقتل دون أي إهتمام بأرواح من يقتلهم أو عددها أو كيفية قتلها، المهم هو الانتقام. إذاً هو بطل يدافع عن المحتاجين والضعفاء، لكن بقانونه الخاص خارج أطر المجتمع وقوانينه وضوابطه. لاحقاً حضرت شخصيات كثيرة وبدأ نوعٌ من تثبت الشخصية كأساس فاستخدمته مثلاً شركة المصارعة الشهيرة WWE مع شخصية المصارع Stone Cold Steve Austin الذي سبح بين شخصيتي الشرير والطيب (baby face and heel) الشهيرتين في عالم المصارعة الحرة. لاحقاً جاء عالم الأفلام وأصبحت شخصية البطل/اللابطل سمةً رئيسية لمعظم أفلام الأكشن الحالية. “أنا لستُ بطلاً” أنا شخصٌ عادي لكن الظروف هي التي قادتني لذلك”.