صحافة الحكام وصحافة المحكومين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

الشعوب التي دفعت من دمائها وحرياتها ثمنا لترسيخ قيم الديمقراطية والشفافية، لا تسمح بتغول السلطة على حقها في صحافة حرة مستقلة تنقل لها ماذا يدور في كواليس مؤسسات الحكم، فالصحفي هو عين الشعب التي تراقب الحكومات، والأصل ألا تتوقف عملية الرقابة حتى لو كانت الدولة تخوض حربا ضد أعدائها، لا يوجد في قاموس المجتمعات المؤمنة بأسس الديمقراطية عبارات من عينة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، فمعركتها الأكبر هي الحفاظ على ما وضعه الأباء المؤسسون من قيم تأسست عليها الدولة.

“الصحافة تعمل لدى المحكومين وليس الحكام”، هكذا جاء نص حكم المحكمة العليا الأمريكية ردا على قرار المدعي العام بوقف نشر وثائق البنتاجون عن حرب فيتنام بناء على طلب الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1971.

المحكمة العليا إنحازت لقيم الآباء المؤسسين وللدستور الذي أقر بحق الصحافة في نشر ما تحصل عليه من معلومات ووثائق حتى لو كانت أمريكا متورطة في مستنقع الحرب الفيتنامية التي سقط فيها آلاف الجنود.

القصة بدأت كما سردها أبطال فيلم “ذا بوست”، عندما قرر باحث عسكري يعمل في مؤسسة راند المتعاقدة مع وزارة الدفاع بتسريب دراسة تثبت خداع أربعة رؤساء أمريكيين “ترومان، وايزنهاور، وكينيدي، ونيكسون” للشعب الأمريكي، وفضحت ما يجري على الأرض بالفعل من أن الرؤساء الأمريكين أرسلوا جنودهم إلى هناك رغم معرفتهم بأن “الهزيمة ليست سوى مسألة وقت”.

كانت صحيفة “نيويورك تايمز” أول من نشر تلك التسريبات، وهو ما أثار غيرة رئيس تحرير “واشنطن بوست” بن برادلي الذي جسد دوره الممثل الرائع تم هانكس.

بعد قرار وقف النشر، تمكن برادلي عبر أحد كبار محرريه من الحصول على ذات الوثائق وأطلق شعار “الطريق الوحيد لضمان حق النشر هو النشر”، وتحايل على قرار المدعي العام باعتبار أن قرار وقف النشر صدر بحق “نيويورك تايمز” فقط”.

حاصر حملة الأسهم وأعضاء مجلس الإدارة والمستشارين القانونيين كاثرين جرهام مالكة الجريدة التي لعبت دورها العظيمة ميرل ستريب، وحذروها من تبعات نشر الوثائق ولم يستبعدوا إغلاق الجريدة التي كانت متعثرة ماليا في ذلك الوقت بعد أن يسحب المساهمون أموالهم، فكان ردها “لو لم تتمكن البوست من نشر ما تحصل عليه من معلومات فهي جريدة مغلقة بالفعل”.

انتصرت جرهام لقرار نشر وثائق لا تدين الرؤساء الأمريكيين فقط بل تدين صديقها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت مكنمارا الذي أطلع على الوثائق بنفسه ويعرف مجريات المعركة ورغم ذلك أصر على تدوير الكذب وتصدير بطولات وهمية للرأي العام الأمريكي.

قبل أن يحال الملف إلى المحكمة العليا، أعادت معظم الصحف الأمريكية نشر الوثائق تضامنا مع “نيويورك تايمز، وواشنطن بوست”، وصدر حكم المحكمة منتصرا للقيم التي وضعها مؤسسو أمريكا، “حرية الصحافة جزء أصيل من الدستور ومن النظام الذي وضعه الآباء المؤسسون، والصحافة تعمل عند المحكومين وليس الحكام”، كان ذلك أهم ما جاء في قرار المحكمة.

في نهاية الفيلم قالت جرهام مالكة الـ”بوست” وهي تنظر إلى صحيفتها باعتزاز، أن “الأخبار هي مسودة كتابة التاريخ”، بعد تلك المعركة تمكنت نفس الصحيفة من الكشف عن فضيحة ووتر جيت التي أجبرت نيكسون على الاستقالة، وانهت على مستقبله السياسي.

الصحافة الحرة دليل على قوة وصلابة المجتمعات، والصحافة التابعة الذليلة ليست دليلا على ضعف تلك المجتمعات أو استبداد الأنظمة فحسب بل على هشاشة القيم التي تأسست عليها تلك المجتمعات.