مختارات من معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 49

بالتزامن مع انطلاق الدورة 49 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، تقدم نافذة الوعي بعض المختارات من الكتب الجديدة في السياسة والتاريخ واللغة والاجتماع.

العربية في شرق إفريقيا

في كتابه “العربية في شرق إفريقيا .. مقدمة في التهجين اللغوي” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يكمل الباحث محمد الشرقاوي دراسته لتاريخ اللغة العربية وتطورها وانتشارها في نطاق جغرافية شاسعة خارج الجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام.

 

بدء الشرقاوي دراسته بكتاب “الفتوحات اللغوية” الصادر عن دار التنوير عام 2013، ورصد من خلاله رحلة ظهور اللهجات المختلفة للعربية، كنتيجة  للفتوحات اللغوية التي استبدلت اللغات القائمة في البلدان المفتوحة باللغة العربية، مما استدعى تطور نوع من “الهجين اللغوي”، نتج عن امتزاج اللغة العربية واللغات الأصلية لتلك البلدان كما حدث في مصر والعراق والشام وغيرها من الدول.

يركز الشرقاوي في كتابه الجديد “العربية في شرق إفريقيا” على تاريخ اللغة العربية وتطورها كلغة اتصال في دول شرق إفريقيا، موضحًا أن لغة الاتصال “مصطلح يشير إلى حدث لغوي اجتماعي تواصلي يمكن لأي نمط لغوي أن يوصف به عندما يقع في دائرة اتصال لغوي بين شخصين أو جماعتين من أصول لغوية أو لهجية مختلفة. وهو عادة ما يشير إلى النمط المحكي من تلك اللغة وليس إلى النمط المكتوب، وإن كان من الممكن أن يتحول هذا النمط المحكي من لغة الاتصال إلى نمط مكتوب ويصيبه قدر من التقعيد التركيبي”.

بجانب الاهتمام الكبير باللغة العربية وعلومها، تتميز كتابات الشرقاوي بالتركيز على الدور الاجتماعي للغة، وكذلك تسليط الضوء على التاريخ  السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات التي دخلتها اللغة العربية، مما يمنح رؤى جديدة لقراءة وفهم تاريخ وواقع تلك المجتمعات، وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى أن عدم الاهتمام العربي بدول شرق إفريقيا رغم قربها الجغرافي وأهميتها التاريخية، كان لها أثر كبير في تراجع اللغة العربية.

في تشريح الهزيمة 

يعتمد كتاب “في تشريح الهزيمة” على فرضية أساسية، وهي أن هزيمة 67 ليست فقط ماضيًا نتعلم دروسه ولكنها حاضر حيّ، بمعنى أنها حدث تأسيسي لحقبة ما زلنا نعيشها حتى اليوم. ومن ثم فإن تقييمنا للهزيمة وأسبابها وسياقها هو بحث في جذور حاضرنا ومعانيه الكبرى.

الكتاب الصادر بالتزامن مع الذكرى الخمسين لهزيمة عام 1967، شارك فيه خمسة باحثين وهم بلال علاء، وخالد فهمي، وسامح نجيب، ومحمد العجاتي، ومصطفى عبد القادر، يضم مجموعة من المقالات والدراسات تتناول أوجه مختلفة للهزيمة وتداعياتها على  السياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي  والاقتصادي “فلم تكن هزيمة 67 فقط عسكرية خسرت فيها مصر والأردن وفلسطين وسوريا مساحات شاسعة من أراضيهم، بل كانت بداية النهاية لمشروع تنموي قومي عربي يُدار من أعلى، ولوعود دول ما بعد الاستقلال الاقتصادية والاجتماعية، ومبررًا مستمرًا لحشد وإنفاق عسكري ساهم في حرب 1973 التي حققت مصر فيها تقدمًا عسكريًا في بدايتها، أهدرته الإدارة السياسية (أو استغلته لصالح إنجاح خطة سياسية كانت الحرب جزءًا منها لتحريك الركود السياسي الإقليمي)، فانتهى الحال بعد 73 ليس إلى ترميم مشروع ناصر بفعل نتائج تلك الحرب، بل إلى صعود سياسي واضح للتيارات الإسلامية كبديل للمشروع القومي المنهار”.

مقدمة عن توتر القرآن

في كتاب “مقدمة عن توتر القرآن” الصادر حديثًا عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، يُقدم الباحث جمال عمر قراءة تاريخية ونقدية لتعامل المسلمين مع القرآن، منذ نزوله على النبي محمد كآيات متفرقة على مدى زمني تجاوز العشرين عامًا، مرورًا بجمع هذه الآيات في كتاب واحد وتحول القرآن لنص مكتوب وما نتج عن ذلك من تغير في بنية وفهم وتلقى القرآن، ثم محاولات القدماء من علماء الكلام والفقه والمتصوفة للتعامل مع القرآن، وصولًا للدراسات الاستشراقية التي ركزت على دراسة القرآن وتاريخه، بالإضافة لمحاولات المفكريين المسلمين المعاصرين الساعين لصناعة جسر ما بين معاني القرآن وواقع مجتمعاتنا في ظل منظومة الحداثة.

منذ البدء يتعامل الكاتب مع القارىء بوصفه شريكًا في العمل، داعيًا إياه لأن يكون فاعلًا وليس مجرد متلقي، وفي هذا السياق يختار جمال عمر أن يكون عنوان كتابه “مقدمة عن توتر القرآن” بما تحمله كلمة “مقدمة” من إشارة ودعوة للمشاركة في تطوير هذه المقدمة، لتُصبح نصًا أو مدخل لنصوص عديدة تُحاول التعامل مع القرآن بصورة جديدة ومختلفة. يقول جمال عمر في مقدمته “آثرت أن يكون هذا الكتاب مقدمة، بما للمقدمة من نقص، ومن حاجة للمزيد من التفصيل. لعلها تكون دعوة، لأن يشترك آخرون في سد عجزها، عبر نقدها، وتفكيكها، بل ونقضها من جذورها، فلا سبيل لنا إلا بجهد ثم نقده ليُولد الجديد”.

ينقسم الكتاب إلى جزئيين : الأول بعنوان “القدماء وأدواتهم لرفع توتر القرآن” ويتضمن ستة فصول تتناول القرآن ككتاب لاهوت والرؤى الفقهية والبلاغية والفلسفية والصوفية في تعاملها مع القرآن، أما الجزء الثاني  “المحدثون وآلياتهم لرفع التوتر عن القرآن” فيتضمن سبعة فصول، تتناول القرآن وتصورات العرب الثقافية، والقرآن ما بين الفقه والقانون، والقرآن والعلم الحديث، والقرآن حسب ترتيب نزوله لا ترتيب تلاوته، والقرآن والتاريخية.

البلاغة والتواصل عبر الثقافات         

في كتابه البلاغة والتواصل عبر الثقافات الصادر عن منشورات دار شهريار العراقية، يقدم الدكتور عماد عبد اللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب، فى جامعة القاهرة، دراسة عن البلاغة ودورها في التواصل الثقافي بين الشعوب والمجتمعات المختلفة مشيرًا إلى أن “التواصل بين الثقافات شكلٌ من أشكال التواصل الإنساني يتأثّر بعوامل انهيارِ التواصلِ أو فشله؛ مثل مدى دقّة الرسالة، ووضوحها، وشفافية الوسيط، وعوامل التشويش، وأسباب سوء الفهم، أو التأويل المفرط. وفي حالة التواصل بين ثقافتَين مختلفتَي اللّغة تُضافُ عواملُ أخرى تؤثّر في نجاح التواصل بين الثقافات أو فشله؛ أهمُّها التباينُ اللُّغوي والثقافي، واختلافُ الأنماط البلاغية في الثقافَتَين المتحاورتين، والصور النمطية السلبية التي تكوّنها كلُّ ثقافة للثقافات واللُّغات الأخرى”.

يرصد الكتاب أبرز المشكلات اللّغوية والبلاغية التي تعوقُ التواصلَ العربي-الغربي، أو تُفشِله، وتحديدُ جذور هذه المشكلات والأسباب المؤدّية إليها، واقتراحُ بعض الحلول العملية للتغلّب عليها، أو تقليل تأثيرها السلبي. ويتحقّق ذلك من خلال الإفادة من المعرفة الأكاديمية المتراكمة حول نجاح التواصل أو فشله بين الثقافات المختلفة بعامّة وبين العرب والغربيين بخاصة، ومحاولة رسم خريطة للمعارف الضرورية التي يحتاج إليها مخطّطو التواصل مع الغرب، ومقيِّموه، والمشاركون فيه.

 

يتضمن الكتاب كذلك محاولة لوضع تأسيس نظري لبعض أوجه الشبه والاختلاف بين اللّغة العربية والثقافة العربية من ناحية، واللّغات والثقافات الغربية -خاصةً اللُّغة الإنجليزية والثقافة الأنجلو أمريكية- من ناحية أخرى. هذا التأسيسُ النظريُّ الذي يجمع بين عناصر بلاغية وتداولية واتصالية يبدو ذا أهميةٍ حاسمةٍ ليس في مشروع التواصل مع الآخر الغربي أو الشرقي فحسب، بل في مشروع معرفة الذات العربية قبل كلّ شيء.

غذاء للقبطي

بجانب تركيز كتاب “غذاء للقبطي” الصادر عن دار الكتب خان على المطبخ القبطي في مصر ومكوناته وتنوعه، إلا أن شارل عقل مؤلف الكتاب، يتخذ من الكتابة عن الطعام مدخلًا، يقدم من خلاله دراسة وتحليل لتاريخ وواقع مسيحيوا مصر، في عمل يجمع بين الانثربولوجيا والأدب، وفن طهو الطعام وتذوقه أيضًا.

يقول شارل في مقدمة الكتاب: ” أما عن وصف الطعام فهو يعد لي تحديا لغويا، نتيجة لقلة المفردات المتعلقة بوصف مذاق ما، وهي غالبا معتمدة على تشبيه المذاق بمذاق آخر (مملح، مسكر، حمضي ، قلوي)، ولأن اختبار الطعام هو تجربة ذاتية بالكامل، يستحيل معها إقناع القارئ بالحجة والحياد بأن مذاقا ما جيد أو سيئ، دون سرد كل الظروف والمزاج والسياق المحيط”.

هذه الحيرة المتعلقة بعلاقة الطعام واللغة تشبه كثيرًا حيرة مسيحيوا مصر، فرغم العلاقة القوية بين المسحيين والمسلمين، والتشارك في الكثير من العادات والتقاليد ونمط العبادات، إلا أن العقود الثالثة الماضية شهدت توترات كثيرة وتباعد كبير بين المسحيين والمسلمين، في هذا السياق يقدم كتاب “غذاء للقبطي” اضاءات على حياة المسيحيين في مصر تعكس مساحة واسعة من الدهشة والطرافة والمحبة كما ترفع الكثير من الهواجس والأفكار الطائفية الناتجة عن الجهل بالآخر.